بفضل تقنية مبتكرة طوّرها المعهد الروسي للأبحاث العلمية في طب العمل، ستتمكن الكلاب من التنفس على أعماق كبيرة تحت الماء ، تصل إلى 500 متر. ويهدف هذا التطور، الممول من مؤسسة أبحاث المستقبل، إلى جعل الكلاب حلفاء أساسيين في مهام إنقاذ طواقم الغواصات وغيرها من المواقف الخطرة تحت الماء.
تعتمد هذه التقنية المبتكرة على التنفس السائل ، وهي طريقة تسمح للغواصين بملء رئتيهم بسائل خاص غني بالأكسجين المذاب ، قادر على اختراق مجرى الدم. وبهذه الطريقة، يزود السائل الجسم بالأكسجين كما يفعل الهواء، ولكن مع ميزة إضافية تتمثل في قدرته على تحمل الضغوط العالية تحت الماء . علاوة على ذلك، صُممت هذه التقنية لتسهيل الصعود السريع للغواصين إلى السطح، وذلك بتقليل خطر الإصابة بالانسداد الهوائي ، وهي حالة خطيرة مرتبطة بالتغيرات المفاجئة في الضغط.
بفضل هذا النظام، يمكن للكلاب البقاء تحت الماء لمدة نصف ساعة تقريبًا على أعماق تصل إلى 500 متر، مما يفتح مجالًا جديدًا من الإمكانيات في عمليات الإنقاذ وفي البحث العلمي المتعلق بسلوك الحيوانات في البيئات القاسية.
ما هو بالضبط ما يتكون منه التنفس السائل؟

يعتمد التنفس السائل على استخدام سائل مشبع بالأكسجين، مثل سائل بيرفلوريني ، يحل محل الهواء في الرئتين مؤقتًا. صُمم هذا السائل لحمل كميات كبيرة من الأكسجين المذاب، مما يسمح بتبادل الغازات مع الدم بكفاءة حتى تحت ضغط عالٍ جدًا.
عندما تمتلئ رئتا الحيوان بهذا السائل، تختفي فقاعات الهواء ، مما يقلل من خطر تكوّن الغازات المضغوطة وتمددها بشكل خطير أثناء الصعود. وهكذا، لا يوفر السائل الأكسجين فحسب، بل يحمي أيضاً من الآثار الضارة لتغيرات الضغط ، وهو عامل حاسم في عمليات الإنقاذ من الأعماق السحيقة.
بحسب الباحثين، يُدخل السائل إلى الرئتين ويُسحب منهما بطريقة مُحكمة باستخدام معدات متخصصة. ويكمن التحدي العلمي الأكبر في إيجاد توليفة من المكونات التي لا تسمح فقط بتوفير أكسجة جيدة، بل أيضاً بإزالة كافية لثاني أكسيد الكربون ، مع ضمان سلامة الحيوان طوال العملية.
ومن النقاط الأساسية الأخرى التحكم في درجة حرارة السائل . فقد لوحظ خلال الاختبارات أنه في حال عدم ضبط درجة الحرارة بشكل صحيح، قد يُصاب الحيوان بانخفاض حرارة الجسم . لذا، صُممت أنظمة التدفئة والمراقبة للمساعدة في الحفاظ على درجة حرارة الجسم ضمن الحدود الآمنة أثناء الغمر.
نتائج التجارب التي أجريت على الكلاب والحيوانات الأخرى

صرح إيغور تشيرنياك ، أحد قادة المشروع، بأن فريق العلماء لاحظ خلال بحثهم كيف تمكن كلب من نوع داشهوند من البقاء تحت الماء لمدة تصل إلى 15 دقيقة وهو يتنفس هذا السائل الخاص. وأوضح أن رئتي الكلب امتلأتا تمامًا بالسائل الغني بالأكسجين، مما سمح له بالتنفس تحت الماء دون الحاجة إلى تنفس الهواء.
عندما أُخرج الحيوان إلى السطح، كان خاملًا ومُرتبكًا بعض الشيء ، ويعود ذلك أساسًا إلى انخفاض درجة حرارة جسمه نتيجةً لاختلاف درجة الحرارة بين جسمه والماء. ومع ذلك، وبعد بضع دقائق وتلقيه الرعاية المناسبة، تعافى تمامًا . ووفقًا لتشيرنياك، فإن جميع الحيوانات التي خضعت لهذه التجارب تتمتع بصحة جيدة وقد تحملت الغطس دون أي آثار طويلة الأمد ظاهرة.
قبل العمل مع الكلاب، تم اختبار هذه التقنية بالفعل على الفئران وغيرها من الحيوانات الصغيرة . سمحت هذه الدراسات الأولية بإجراء تعديلات على متغيرات مثل تركيبة السائل، وضغط الحجرة، وأوقات التعرض، إلى أن اعتبر الفريق أنها آمنة للبدء مع الكلاب.
لإجراء الاختبارات، صُممت "غرف مائية" خاصة عالية الضغط ، حيث تُحاكى فيها ظروف مشابهة لتلك الموجودة في أعماق المحيطات. في هذه المرافق، يُتحكم بدقة في ضغط السائل ودرجة حرارته وتركيز الأكسجين فيه، مما يسمح للعلماء بتسجيل كيفية استجابة جسم الحيوان في كل مرحلة من مراحل الغوص.
حالياً، ووفقاً لمعلومات مؤسسة أبحاث المستقبل، تستطيع الكلاب البقاء تحت الماء لمدة 30 دقيقة تقريباً والوصول إلى أعماق تصل إلى 500 متر باستخدام هذا النظام. تُعتبر هذه الأرقام نقطة انطلاق واعدة للتطبيقات المستقبلية، مع أن الباحثين أنفسهم يؤكدون أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى وغير جاهزة بعد للاستخدام الواسع النطاق في العمليات الميدانية.
التحديات العلمية والنفسية للتنفس السائل
قبل عقود، خضعت هذه التقنية للدراسة على أنواع مختلفة، ولكن لفترة طويلة لم يتم التوصل إلى تطبيق عملي واضح لها . حالياً، أدى التطور التكنولوجي الجديد واحتياجات عمليات الإنقاذ تحت الماء إلى إحياء الاهتمام بتقنية التنفس السائل، على الرغم من وجود العديد من التحديات التي لا تزال قائمة.
كما يوضح فيتالي دافيدوف ، نائب المدير العام لمؤسسة أبحاث المستقبل، فإن إحدى القضايا الرئيسية هي اختيار المكونات المناسبة للسائل ، وتحديد الطريقة الأكثر أمانًا لإدخاله وإخراجه من الجسم ، وضمان التخلص السليم من ثاني أكسيد الكربون . يجب القيام بكل هذا مع الحفاظ على العلامات الحيوية للحيوان وتجنب إلحاق الضرر بأنسجة الرئة.
إضافةً إلى التحديات الفسيولوجية البحتة، يشير دافيدوف وباحثون آخرون إلى عقبة أساسية: الحاجز النفسي . فبالنسبة لأي كائن حي معتاد على تنفس الهواء، فإن ملء الرئتين بالسوائل يُشبه إلى حد كبير "الغرق الطوعي ". ويُعدّ التغلب على هذه الغريزة الطبيعية للرفض أمرًا معقدًا، سواءً بالنسبة للحيوانات أو للبشر الذين قد يستخدمون هذه التقنية يومًا ما.
لذا، يشير الخبراء إلى أنه لا يكفي مجرد تحسين السائل والأجهزة؛ بل من الضروري أيضاً تطوير بروتوكولات تكيف تدريجية تسمح للكلاب، وفي نهاية المطاف للبشر، بالتعود على الشعور بتنفس سائل كثيف بدلاً من الهواء. ويعتبر البعض هذا الجانب النفسي أحد أكبر تحديات المشروع.
على الرغم من المراحل المتقدمة التي وصلت إليها بعض التجارب، يؤكد المسؤولون عن تطوير تقنية التنفس السائل في المهام الواقعية أنها لا تزال مجالاً تجريبياً . ويلزم إجراء المزيد من التقييمات لتقدير الآثار المحتملة طويلة المدى، وتحسين قدرة الجسم على تحملها، وتطوير أنظمة تسمح بالتطبيق السريع والآمن لهذه المعرفة في حالات الطوارئ.
التطبيقات المحتملة: كلاب الإنقاذ، والطيارون، ورواد الفضاء
الهدف الرئيسي من هذه التجربة المثيرة للجدل هو زيادة مشاركة الكلاب في عمليات الإنقاذ تحت الماء . ففي حالات مثل حطام السفن أو حوادث الغواصات، يمكن لكلب قادر على التنفس تحت الماء وتحمل الضغوط العالية الوصول إلى مناطق يواجه فيها الغواص البشري صعوبات جمة، سواء بسبب القيود البدنية أو خطر الإصابة بمرض تخفيف الضغط.
تكمن الميزة الكبرى للكلاب في حاسة الشم المتطورة للغاية لديها ، وقدرتها على اكتشاف البشر ، وتدريبها على العمل في بيئات خطرة. إذا أصبحت هذه التقنية آمنة تمامًا، فقد تصبح الكلاب موردًا أساسيًا للعثور على ناجين في المنشآت المغمورة بالمياه، أو حطام السفن، أو الحجرات المغمورة.
لكن مجال التطبيق لا يقتصر على الكلاب. يشير قادة المشروع إلى أن الطيارين ورواد الفضاء يمكنهم أيضاً الاستفادة من هذه التقنية. ففي قطاع الطيران والفضاء، يمكن أن يساعد التنفس السائل في تقليل تأثير التسارع الشديد على الجسم، أو أن يكون بمثابة نظام طوارئ في البيئات التي قد يتعطل فيها إمداد الهواء.
في حالة الغواصين، قد يُتيح استخدام سائل قابل للتنفس عمليات هبوط وصعود أسرع ، مما يُقلل إلى حد كبير من المشاكل الناجمة عن تغيرات الضغط ويمنع حدوث الانصمام الهوائي الخطير. وهذا من شأنه أن يفتح المجال أمام بروتوكولات إنقاذ جديدة للطواقم العالقة في أعماق سحيقة، حيث يُعد الوقت عاملاً حاسماً للبقاء على قيد الحياة.
على الرغم من أن الطريق لا يزال طويلاً، إلا أن هذه المجموعة من التحقيقات تُظهر أن فكرة قدرة الكلب على التنفس تحت الماء بطريقة مُتحكم بها لم تعد تنتمي فقط إلى عالم الخيال العلمي، بل أصبحت مجالاً حقيقياً للدراسة مع تطبيقات محتملة في الإنقاذ وطب الطوارئ والاستكشاف المتطرف.
هذا النوع من التقدم يثير نقاشات أخلاقية وعلمية، ولكنه يُظهر أيضاً كيف يمكن لمزيج الابتكار التكنولوجي والمعرفة الطبية والإمكانات الاستثنائية للكلاب العاملة أن يغير تماماً الطريقة التي نفهم بها الإنقاذ والبقاء على قيد الحياة في البيئات تحت الماء، ويزيد من الحاجة إلى مساعدة الكلاب المهجورة.